الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
360
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد كانت العرب في الجاهلية تغضب فتقسم باللّه وبآلهتها وبآبائها ، على الامتناع من شيء ، ليسدوا باليمين باب المراجعة أو الندامة . وفي « الكشاف » « كان الرجل يحلف على ترك الخير من صلة الرحم ، أو إصلاح ذات البين ، أو إحسان ، ثم يقول أخاف أن أحنث في يميني ، فيترك فعل البر فتكون الآية واردة لإصلاح خلل من أحوالهم . وقد قيل إن سبب نزولها حلف أبي بكر ألا ينفق على ابن خالته مسطح بن أثاثة لأنه ممن خاضوا في الإفك . ولا تظهر لهذا القول مناسبة بموقع الآية . وقيل : نزلت في حلف عبد اللّه بن رواحة ألا يكلم ختنه بشير بن النعمان الأنصاري ، وكان قد طلق أخت عبد اللّه ثم أراد الرجوع والصلح ، فحلف عبد اللّه ألا يصلح بينهما . وإما على تقدير أن تكون العرضة بمعنى الشيء المعرض لفعل في غرض ، فالمعنى لا تجعلوا اسم اللّه معرضا لأن تحلفوا به في الامتناع من البر ، والتقوى ، والإصلاح بين الناس ، فالأيمان على ظاهره ، وهي الأقسام واللام متعلقة بعرضة ، و أَنْ تَبَرُّوا مفعول الأيمان ، بتقدير لا محذوفة بعد ( أن ) والتقدير ألا تبروا ، نظير قوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] وهو كثير فتكون الآية نهيا عن الحلف باللّه على ترك الطاعات ؛ لأن تعظيم اللّه لا ينبغي أن يكون سببا في قطع ما أمر اللّه بفعله ، وهذا النهي يستلزم : أنه إن وقع الحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح ، أنه لا حرج في ذلك ، وأنه يكفر عن يمينه ويفعل الخير . أو معناه : لا تجعلوا اسم اللّه معرضا للحلف ، كما قلنا ، ويكون قوله : أَنْ تَبَرُّوا مفعولا لأجله وهو علة للنهي ؛ أي إنما نهيتكم لتكونوا أبرارا أتقياء مصلحين ، وفي قريب من هذا ، قال مالك « بلغني أنّه الحلف باللّه في كل شيء » وعليه فتكون الآية نهيا عن الإسراع بالحلف لأن كثرة الحلف . تعرض الحالف للحنث . وكانت كثرة الأيمان من عادات الجاهلية ، في جملة العوائد الناشئة عن الغضب ونعر الحمق ، فنهى الإسلام عن ذلك ولذلك تمدحوا بقلة الأيمان قال كثيّر : قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الأليّة برّت وفي معنى هذا أن يكون العرضة مستعارا لما يكثر الحلول حوله ، أي لا تجعلوا اسم اللّه كالشئ المعرّض للقاصدين . وليس في الآية على هذه الوجوه ما يفهم الإذن في الحلف بغير اللّه ، لما تقرر من النهي عن الحلف بغير اسم اللّه وصفاته . وقوله : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تذييل ، والمراد منه العلم بالأقوال والنيات ، والمقصود